ابن كثير
139
البداية والنهاية
فجعلوه في تابوت من حديد وربطوه بسلاسل وعلقوه بين جبلين هنالك وأما كتابه الياسا فإنه يكتب في مجلدين بخط غليظ ، ويحمل على بعير عندهم ، وقد ذكر بعضهم أنه كان يصعد جبلا ثم ينزل ثم يصعد ثم ينزل مرارا حتى يعيى ويقع مغشيا عليه ، ويأمر من عنده أن يكتب ما يلقى على لسانه حينئذ ، فإن كان هذا هكذا فالظاهر أن الشيطان كان ينطق على لسانه بما فيها . وذكر الجويني أن بعض عبادهم كان يصعد الجبال في البرد الشديد للعبادة فسمع قائلا يقول له إنا قد ملكنا جنكيزخان وذريته وجه الأرض قال الجويني : فمشايخ المغول يصدقون بهذا ويأخذونه مسلما . ثم ذكر الجويني نتفا من الياسا من ذلك : أنه من زنا قتل ، محصنا كان أو غير محصن ، وكذلك من لاط قتل ، ومن تعمد الكذب قتل ، ومن سحر قتل ، ومن تجسس قتل ، ومن دخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل ، ومن بال في الماء الواقف قتل ، ومن انغمس فيه قتل ، ومن أطعم أسيرا أو سقاه أو كساه بغير إذن أهله قتل ، ومن وجد هاربا ولم يرده قتل ، ومن أطعم أسيرا أو رمى إلى أحد شيئا من المأكول قتل ، بل يناوله من يده إلى يده ، ومن أطعم أحدا شيئا فليأكل منه أولا ولو كان المطعوم أميرا لا أسيرا ، ومن أكل ولم يطعم من عنده قتل ، ومن ذبح حيوانا ذبح مثله بل يشق جوفه ويتناول قلبه بيده يستخرجه من جوفه أولا . وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر ، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه ؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين . قال الله تعالى ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) [ المائدة : 50 ] وقال تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) صدق الله العظيم [ النساء : 65 ] . ومن آدابهم : الطاعة للسلطان غاية الاستطاعة ، وأن يعرضوا عليه أبكارهم الحسان ليختار لنفسه ومن شاء من حاشيته ما شاء منهن ، ومن شأنهم أن يخاطبوا الملك باسمه ، ومن مر بقوم يأكلون فله أن يأكل معهم من غير استئذان ولا يتخطى موقد النار ولا طبق الطعام ، ولا يقف على أسكفة الخركاه ولا يغسلون ثيابهم حتى يبدو وسخها ، ولا يكلفون العلماء من كل ما ذكر شيئا من الجنايات ، ولا يتعرضون لمال ميت ، وقد ذكر علاء الدين الجويني طرفا كبيرا من أخبار جنكيزخان ومكارم كان يفعلها لسجيته وما أداه إليه عقله وإن كان مشركا بالله كان يعبد معه غيره ، وقد قتل من الخلائق ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم ، ولكن كان البداءة من خوارزم شاه ، فإنه لما أرسل جنكيزخان تجارا من جهته معهم بضائع كثيرة من بلاده فانتهوا إلى إيران فقتلهم نائبها من جهة خوارزم شاه ، وهو والد زوجة كشلي خان ، وأخذ جميع ما كان معهم ، فأرسل جنكيزخان إلى خوارزم شاه يستعلمه هل وقع هذا الامر عن رضى منه أو أنه لا يعلم به ، فأنكره وقال له فيما